السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
304
مختصر الميزان في تفسير القرآن
فلما نسوا ذكر اللّه سبحانه فتح اللّه عليهم أبواب كل شيء وصب عليهم نعمه المتنوعة صبا حتى إذا فرحوا بما عندهم من النعم واغتروا واستقلوا بأنفسهم من دون اللّه أخذهم اللّه بغتة ومن حيث لا يشعرون به فإذا هم آيسون من النجاة شاهدون سقوط ما عندهم من الأسباب فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد للّه رب العالمين . وهذه السنة سنة الاستدراج والمكر الذي لخصها اللّه تعالى في قوله : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ( الأعراف / 183 ) . وبالتأمل فيما تقدم من تقرير معنى الآية والتدبر في سياقها يظهر أن الآية لا تنافي سائر الآيات الناطقة بأن الإنسان مفطور على التوحيد ملجأ باقتضاء من فطرته وجبلته إلى الإقرار به والتوجه إليه عند الانقطاع عن الأسباب الكونية كما قال تعالى : وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ( لقمان / 32 ) . وذلك ان الآية لا تريد من البأساء والضراء إلا ما لا يبلغ من الشدة والمهابة مبلغا يذهلون به عن كل سبب وينسون به كل وسيلة عادية ، ومن الدليل على ذلك قوله في الآية : « لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ » إذ « لعل » كلمة رجاء ولا رجاء مع الإلجاء والاضطرار ، وكذا قوله تعالى : « وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ » فإن ظاهره أنهم اغتروا بذلك وتوسلوا في رفع البأساء والضراء إلى أعمالهم التي عملوها بأيديهم ودبروها بتدابيرهم للغلبة على موانع الحياة وأضداد العيش فاشتغلوا بالأسباب الطبيعية الملهية إياهم عن التضرع إلى اللّه سبحانه والاعتصام به ، كقوله تعالى : فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ، فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ( المؤمن / 84 ) ، فالآية الأولى - كما ترى - تحكي عنهم نظير ما تحكيه الآية التي نحن فيها من الإعراض عن التضرع والاغترار بالأعمال ، والآية الثانية تحكي ما تحكيه الآيات الأخرى من التوحيد في